حين يتبدّل السلوك مع الكرسي… أهو خلل في الشخصية أم اختبار أخلاقي للقيادة؟

zainab5 مارس 2026آخر تحديث :
حين يتبدّل السلوك مع الكرسي… أهو خلل في الشخصية أم اختبار أخلاقي للقيادة؟
حين يتبدّل السلوك مع الكرسي… أهو خلل في الشخصية أم اختبار أخلاقي للقيادة؟
بقلم: زينب الهاشمي
ما إن يتسنّم بعض الموظفين منصباً قيادياً في دائرةٍ ما، حتى يلحظ المحيطون بهم تحولاً في السلوك ونبرة الخطاب وطبيعة التواصل، وكأن الكرسي نقلهم إلى عالمٍ آخر. تتبدّل الأرقام، تُغلق الهواتف، تُترك الرسائل بلا رد، ويُعاد رسم حدود العلاقات بصورةٍ حادة أحياناً. فهل نحن أمام نقصٍ في الشخصية؟ أم مرضٍ نفسي مزمن؟ أم أن المنصب بحد ذاته يفرض إيقاعاً مختلفاً على صاحبه؟
تغيير السلوك عند تولّي المناصب القيادية ليس ظاهرة محلية، ولا يقتصر على بيئةٍ دون أخرى، بل هو سلوك عالمي يمكن رصده في المؤسسات الإدارية والدوائر السياسية على حد سواء. كثيرون يرون في هذا التغيّر فقداناً للأخلاقيات وتنكّراً للعلاقات التي شكّلت سلّم الصعود، فيما يذهب آخرون إلى أن متطلبات الموقع الجديد تفرض إعادة ترتيب الأولويات وطرق التواصل.
بين تضخم الأنا وضغط المسؤولية
من منظور علم النفس الإداري، يُعدّ المنصب اختباراً حقيقياً لبنية الشخصية. فهناك من يتعامل مع السلطة بوصفها تكليفاً، فيزداد تواضعاً وحرصاً على صورته العامة، وهناك من يراها تشريفاً مطلقاً، فتتضخم الأنا ويتراجع الحسّ الاجتماعي. في الحالة الثانية، لا يكون المنصب سبب التغيير بقدر ما يكون كاشفاً لما كان كامناً في الداخل.
غير أن الصورة ليست دائماً سوداوية. فالقيادي الجديد يجد نفسه أمام سيلٍ من الاتصالات والطلبات والمراجعات، ما يضطره أحياناً إلى إعادة تنظيم وسائل الاتصال، بما في ذلك تغيير أرقام الهواتف أو تخصيص قنوات رسمية للتواصل. هذا الإجراء قد يبدو للبعض إقصاءً، لكنه في جانبٍ منه ضرورة عملية لضمان كفاءة الأداء وسلاسة العمل.
التنظيم الإداري… أم القطيعة الاجتماعية؟
المشكلة لا تكمن في إعادة التنظيم بحد ذاته، بل في الأسلوب. حين يتحول التنظيم إلى قطيعة، ويصبح تجاهل الرسائل عادةً لا استثناء، تتشكل صورة سلبية عن القيادي، وقد تتآكل سمعته في محيطه الاجتماعي والمهني. فالتاريخ الوظيفي لأي مسؤول لا يبدأ من لحظة تسنّمه المنصب، بل يمتد إلى سنوات من العلاقات والشراكات التي صنعت مسيرته.
التفريق بين التواصل الشخصي والرسمي أمر ضروري. المنصب يفرض إعادة هيكلة للاتصالات الرسمية والتنسيق مع الجهات المختلفة، لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى قدرٍ من اللياقة والوفاء الإنساني تجاه من كانوا جزءاً من الرحلة. الكلمة الطيبة، والرد المختصر، والاعتذار المهني عند الانشغال، كلها أدوات بسيطة تحافظ على الجسور دون أن تعرقل العمل.
القيادة الحقيقية… في حفظ التوازن
القيادة ليست امتيازاً اجتماعياً بقدر ما هي مسؤولية أخلاقية. والقيادي الذي ينجح هو من يجد توازناً بين متطلبات موقعه الجديد والحفاظ على علاقاته السابقة بروحٍ مهنية وإنسانية. فالتواصل الفعّال والشفاف يعزز المصداقية، ويبني الثقة بينه وبين فريقه الحالي وزملائه السابقين على حد سواء.
في النهاية، لا يغيّر المنصب الإنسان بقدر ما يكشف معدنه. وبين من ينسى البدايات، ومن يتذكّرها في كل قرار، يبقى الفرق واضحاً في ذاكرة الناس. فالكرسي قد يرفع صاحبه مؤقتاً، لكن الأخلاق وحدها هي التي تُبقيه عالياً.
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة